السبت 16-ديسمبر-2017

تطلعات لصندوق دعم البحث العلمي

IMG-20170109-WA0005.jpg

 

د. محمد طالب عبيدات


تشرفت بزيارة لصندوق دعم البحث العلمي لحضور اجتماع رؤساء تحرير المجلات العلمية المدعومة من الصندوق، وعادت بي الذاكرة لعشر سنوات للوراء إذ كنت وقتئذ مستشاراً لمعالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي عندما أنشىء الصندوق ليقوم على تطوير البحث العلمي في كل المجالات الاستراتيجية ذات الصِّلة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال شراكات تستثمر بالموارد البشرية والأفكار والبنى التحتية والفوقية لندخل ركب التنافسية العالمية وفق الرؤى الملكية السامية.


الصندوق مظلة وحاضنة بحثية رسمية وذراع للدولة في مجال الأبحاث والدراسات وتوطين التكنولوجيا والإستثمار في الأبحاث الناجحة صوب أردن عصري وتكنولوجي، والصندوق من المفروض أن يكون الهيئة المشرفة الرئيسة على ربط البحث العلمي بخطط التنمية الوطنية وحاجاتها ومواءمتها للألفية الثالثة وحل المشاكل والتحديات في قطاعات رئيسة كالنقل والطاقة والمياة وتكنولوجيا المعلومات وغيرها، والصندوق يتولى حالياً وبنجاح مطّرد جملة من الأنشطة والفعاليات في دعم البحوث العلمية والمجلات العلمية وبعثات التميز الأكاديمي والتنسيق مع الجهات المحلية والعالمية في هذا المجال.


الصندوق ومن خلال إدارته التي تتّقد حماساً ونشاطاً يبذل جهوداً جبارة ليضع الأردن على الخريطة العالمية، فكانت فعلاً الرابع عربياً بالرغم من أن الحكومة هي الممول الرئيس لأكثر من 80% من الإنفاق على البحث العلمي وتقصير القطاع الخاص الواضح.
الإنفاق على البحث العلمي ضعيف نسبياً إذا ما قورن مع بعض دول الجوار! وربما الجامعات هي الأكثر اهتماماً بذلك، لكن المفروض الاهتمام على مستوى الوطن للمراكز البحثية في القطاعين العام والخاص، فاستقلالية الصندوق ضرورة وليس ترفاً كذراع مهني متخصص حيث الحاجة الماسة لبحث علمي حقيقي يدعم خطط التنمية الوطنية ويسجل على الأرض نتائج متميزة دون إنتظار موازنة شحيحة أو بيروقراطيات إدارية، والعاملين في الصندوق أعدادهم محدودة وجلّهم من أصحاب الإختصاص دون حمولات زائدة، وبالتالي فيجب إستثناؤه من أي برامج حكومية قادمة لغايات دمج المؤسسات المستقلة، لا بل المطلوب إطلاق العنان له لتشجيع الإبداع والإبتكار.


التمييز بين أبحاث الترقيات التي تخدم الأشخاص وطموحاتهم فقط من جهة، وبين البحث العلمي التطبيقي الموجّه لخدمة الدولة وإستراتيجياتها ورؤاها من جهة أخرى ضرورة حتمية، فدعم موازنة الصندوق وتفعيل الإقتطاع من أرباح الشركات بواقع 1% لصالح الصندوق مباشرة يعزز إستقلاليته المالية وموارده، والصندوق المكان المناسب لوضع الأولويات الوطنية البحثية والتكنولوجية لننافس عالمياً وإقليمياً.


مطلوب دعم الصندوق من كل الجهات ذات العلاقة ليحقق الرؤى والأهداف التي أوجد من أجلها وخصوصاً أن معالي الأخ وزير التعليم العالي والبحث العلمي من أكثر الداعمين والمتحمسين لتطوير التعليم العالي والبحث العلمي بالمملكة.


فالبحث والتطوير يعتبران من المرافق الاستثمارية الهامة التي تؤدي إلى التحولات التكنولوجية بجميع أبعادها المادية والبشرية والنظرية والتطبيقية والمدنية والعسكرية. ويعتبر البحث والتطوير كأي استثمار اقتصادي يعتمد على معايير تقييم الجدوى والكفاءة. فالبحث والتطوير نشاط علمي تكنولوجي مؤسسي، يقوم على توجيه مخطط للإنفاق الاستثماري وفق معايير الجدوى الاقتصادية، وذلك لتعزيز المعرفة العلمية في المجالات كافة، وربطها بوسائل الاختبار والتطبيق والإنتاج، بما يضمن تطويراً أو ابتكاراً أو اختراعاً لتوليد أجهزة أو مواد أو أساليب إنتاج أو منتجات جديدة أو محسنة أو لرفع الكفاءة الإنتاجية.


وغالبا ما تستخدم مؤشرات ربط البحث والتطوير بالأداء الاقتصادي لتقييم الوضع الحالي، ومنها على سبيل الأمثلة لا الحصر:

حجم الإنفاق الاستثماري الحقيقي ونسبة هذا الإنفاق إلى مجموع الإنفاق في منشأة أو صناعة أو بلد ما، عدد العلماء والتقنيين من المتخصصين في العلوم التطبيقية والهندسية العاملين في البحث والتطوير والخبراء ذوي المؤهلات العالية في مجالات تقييم المشروعات وتقييم كفاءة الأداء، وقيمة النواتج المباشرة لنشاطات البحث والتطوير كالأجهزة الرأسمالية والمواد المستخدمة والمنتجات النهائية والكوادر المدربة والبحوث العلمية المتخصصة وبراءات الاختراع وقواعد المعلومات وغيرها.


ولهذا فلا بد من تقييم كافة البرامج الاستثمارية الموجهة للبحث والتطوير وتقويم نتائجها التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية المختلفة. ولا بد كذلك من ربط نشاطات البحث العلمي والتكنولوجي بحاجات المجتمع الحقيقية وبالاستراتيجيات المعتمدة للتنمية الصناعية في الوطن. ويجب تعبئة العلماء والكوادر المتخصصة للعمل في فرق عمل مشتركة تعمل بروح الفريق الواحد، وإيجاد بدائل محلية ذات تكاليف أدنى من مثيلاتها الأجنبية، وربط مؤسسات التعليم ومراكز البحث بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية والثقافية.


ومن هنا تبرز أهمية إنشاء مراكز متقدمة للبحث والتطوير على جميع المستويات، وجذب العلماء ومنع هجرتهم وتقديم حوافز سخية لهم. إضافة إلى البرامج المتقدمة في التدريب والدراسات العليا داخلياً وخارجياً، وزيادة الإنفاق على نشاطات البحث والتطوير نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، حيث تصل هذه النسبة في الدول المتقدمة إلى (2.5%)، في حين أنها لا تتجاوز (0.2%) في الدول النامية. ويرتبط بذلك زيادة نسبة العاملين في البحث والتطوير إلى مجموع السكان، إذ تقدر بالدول النامية بحوالي (0.07%) بينما تصل في الدول المتقدمة إلى (0.31%) –أي بنسبة تتجاوز أربع أضعاف الدول النامية-، وهذا ينعكس على مساهمة الدول الصناعية المتقدمة في الابتكارات التطبيقية والاختراعات، حيث تجاوزت (80%) من مجموع براءات الاختراع المسجلة في العالم.


ولعل تطوير البحث العلمي والتطوير يتطلب دعما حكوميا وتعاونا وثيقا بين مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي والقطاعات الإنتاجية العامة والخاصة وذلك من خلال محاور عدها منها دعم الحاجات الرئيسية للقوى البشرية، وعمل التعديلات اللازمة للسياسات والتشريعات، ودعم التمويل الموجه للبحث العلمي، ودعم وسائل البنية التحتية، ودعم شبكات الاتصال والتواصل مع الباحثين والمؤسسات العالمية، وليكون صندوق دعم البحث العلمي المظلة الرئيسة لكل ذلك.


كما أننا نتطلع لإيجاد الآليات المناسبة لدعم العلاقات البينية بين العلماء الباحثين ومؤسسات البحث العلمي من جهة وقطاعات الإنتاج والخدمات والصناعة من جهة أخرى، لتصبح هذه العلاقة تشاركيّة ومتينة ومبنية على شراكات واقعية ومستدامة، ليساهم الجميع في رفعة الوطن ودعم إقتصادنا الوطني وبتكاملية تامة بين القطاعات كافة، وخصوصاً أن لدينا وثيقة الأردن 2025 لدعم الإقتصادي الوطني ووضع السياسات والرؤى الخاصة بذلك.


بصراحة البحث العلمي بترول الوطن لأن فيه إستغلال لقدرات وطاقات قوانا البشرية الكفؤة، وعلى الحكومة والقطاع الخاص مسؤولية تشاركية لدعم صندوق دعم البحث العلمي ليقوم بدوره الوطني المستقل لوضع أولوياتنا البحثية وتوطين التكنولوجيا وغيرها.

 

banner
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر، وجميع المقالات والتعليقات لا تعبر عن وجهة نظر الموقع